الفيض الكاشاني

243

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

درّه وراضعه ، ومنمّق درّه وراصفه ، صفا قلبه ، وزكا عمله ، وظهرت نفسه ، وشرف أخلاقه ، وعمرت بطاعة اللَّه أوقاته ، ورسخت في مقام التقوى قدمه ، وظهرت عليه سمات الازدلاف [ 1 ] وطهارة الاجتباء ، فالمناقب تسبق إليه ، والصفات يتشرّف به . قال : وله ثلاثة ألقاب : باقر العلم ، والشاكر ، والهادي ، وأشهرها الباقر ، وسمّي به لتبقّره في العلم - وهو توسّعه فيه - . وأما مناقبه الحميدة وصفاته الجميلة فكثيرة : منها . قال أفلح مولى أبي جعفر عليه السّلام : خرجت مع محمّد بن عليّ عليهما السّلام حاجّا فلمّا دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتّى علا صوته فقلت : بأبي وأمّي أنت إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلا ، فقال لي : ويحك يا أفلح ولم لا أبكي لعلّ اللَّه تعالى أن ينظر إليّ منه برحمة فأفوز بها عنده غدا ، قال : ثمّ طاف بالبيت ثمّ جاء حتّى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتلّ من كثرة دموع عينيه ، وكان إذا ضحك قال : اللَّهمّ لا تمقتني [ 2 ] ( 1 ) . وقال عبد اللَّه بن عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند أبي جعفر عليه السّلام ، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلَّم ( 2 ) . وروي عنه ولده جعفر عليهما السّلام وقال : كان أبي يقول في جوف اللَّيل في تضرّعه : « أمرتني فلم أئتمر ، ونهيتني فلم أنزجر ، فها أنا ذا عبدك بين يديك ولا أعتذر » ( 3 ) . وقالت سلمى مولاة أبي جعفر عليه السّلام : كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتّى يطعمهم الطعام الطيّب ، ويكسوهم الثياب الحسنة ، ويهب لهم الدّراهم فأقول له في ذلك ليقلّ منه ، فيقول : يا سلمى ما حسنة الدّنيا إلا صلة الإخوان والمعارف ، وكان يجيز بالخمسمائة والستّمائة إلى الألف ، وكان لا يملّ من مجالسة إخوانه ( 4 ) .

--> ( 1 ) مطالب السئول ص 80 . ( 2 ) مطالب السئول ص 80 . ( 3 ) المصدر ص 81 . ( 4 ) المصدر ص 81 . [ 1 ] قال الجزري في نهايته : وفي حديث الباقر عليه السّلام « ما لك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك » إلى تقربك إلى موتك . [ 2 ] قوله : « لا تمقتني » المقت : أشد الغضب .